أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

154

العقد الفريد

إنّ العيون التي في طرفها مرض * قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللّبّ حتى لا حراك به * وهنّ أضعف خلق اللَّه إنسانا ثم قمت لأصلح من أمر فرسي ، فرجعت وقد حسر العمامة عن رأسه ؛ وإذا غلام كأنّ وجهه دينار هرقلي ، فقلت : سبحانك اللهم ! ما أعظم قدرتك ! قال : فكيف ؟ قلت : ذلك مما راعني من نورك ، وبهرني من جمالك ! قال : وما الذي يروعك من زرق العيون وحبيس التراب ، ثم لا تدري أينعم بعدك أم يبأس ؟ قلت : لا يصنع اللَّه بك إلا خيرا . ثم قام إلى فرسه ، فلما أقبل برقت لي بارقة من تحت الدرع ، فإذا ثدي كأنه حقّ « 1 » عاج ، قلت : نشدتك اللَّه ، امرأة أنت ؟ قالت : إي واللَّه ، وتكره العهر ، وتحب الغزل ! قلت : وأنا واللَّه كذلك ! فجلست واللَّه تحدثني ما أنكر من أمرها شيئا ، حتى مالت على الدوحة سكرى ؛ فاستحسنت واللَّه يا ابن أبي ربيعة الغدر ، وزيّن في عيني ؛ ثم إن اللَّه عصمني ؛ فما لبثت أن انتبهت مذعورة ، فلاثت عمامتها برأسها ، وأخذت الرمح ، وجالت في متن فرسها ؛ فقلت : مضيت ولم تزوّديني منك زادا ! فأعطتني بنانها فشممت واللَّه منها كالنبات الممطور زهر « 2 » الثلج ؛ ثم قلت : أين الموعد ؟ قالت : إن لي إخوة شرسا « 3 » وأبا غيورا ، واللَّه لأن أسرّك أحبّ إليّ من أن أضرّك ! ثم مضت فكان واللَّه آخر العهد بها إلى يومي هذا ، وهي التي بلّغتني هذا المبلغ وأحلّتني هذا المحل ! قال : فدخلتني له رقّة ؛ فلما انقضى الموسم شددت على ناقتي وشدّ على ناقته ، وحملت غلاما لي على بعير ، وحملت عليه قبة حمراء من أدم كانت لأبي ربيعة ،

--> ( 1 ) الحقّ : وعاء صغير ذو غطاء يتخذ من عاج أو زجاج أو غيرهما . ( 2 ) الزهر : جمع أزهر ، وهو الأبيض . ( 3 ) شرسا : جمع أشرس : وهو العسر الخلق الشديد الخلاف .